العلم السوري يفجّر التوتر في الحسكة والقامشلي

شهدت مدينتا الحسكة والقامشلي في شمال شرقي سوريا توتراً أمنياً خلال الساعات الماضية، على خلفية أحداث رافقت عودة عائلات كردية مهجّرة إلى مدينة رأس العين، في تطور أعاد تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني وحساسية الترتيبات الجارية بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» في المنطقة.
وأفادت مديرية إعلام الحسكة، الثلاثاء، بأن مجموعات وصفتها بـ«الخارجة عن القانون» أنزلت العلم السوري من أحد مقار الأمن الداخلي في مدينة الحسكة واعتدت على المقر، فيما تعرض مقر آخر في مدينة القامشلي لهجوم استهدف عناصر الأمن الموجودين داخله، وأسفر عن أضرار في عدد من الآليات.
وعقب ذلك، عززت قوى الأمن الداخلي انتشارها في عدد من النقاط داخل الحسكة والقامشلي، بهدف احتواء التوتر ومنع اتساع نطاق الاضطرابات، إلى جانب اتخاذ إجراءات لحماية الممتلكات العامة والخاصة وسلامة السكان.
بداية التوتر من رأس العين
بدأت التطورات من مدينة رأس العين، بعد اندلاع مشاجرة بالتزامن مع عودة دفعة من العائلات الكردية المهجّرة إلى منازلها، في واحدة من أبرز عمليات العودة المنظمة إلى المدينة منذ سنوات.
وتشير المعلومات المعلنة إلى عودة نحو 2500 نازح إلى رأس العين، ضمن ترتيبات مرتبطة بالتفاهمات القائمة بين دمشق و«قسد».
وبحسب قيادة الأمن الداخلي في الحسكة، تدخلت القوى الأمنية لفض مشاجرة اندلعت عقب عودة عدد من العائلات إلى منازل قالت القيادة إنها دخلتها من دون تنسيق مسبق، قبل نشوب خلاف بينها وبين أشخاص كانوا يقيمون فيها.
ونفت القيادة في الوقت نفسه أن تكون عائلات مهجّرة من غويران أو الحسكة قد تدخلت لمنع العائدين من الوصول إلى منازلهم، مؤكدة أن القضية تخضع للمعالجة القانونية بما يضمن حقوق الأطراف المعنية.
في المقابل، قال قائد «قوات سوريا الديمقراطية» إن عودة العائلات الكردية إلى رأس العين تمت بالتنسيق مع الدولة السورية، مندداً بما وصفه باعتداء تعرضت له العائلات أثناء عودتها.
ودعا إلى ضبط النفس وعدم الانجرار إلى أعمال من شأنها زيادة التوتر، مشدداً على أهمية حماية المؤسسات المدنية والأمنية واستمرار التنسيق مع الجهات المعنية لحماية المدنيين ومحاسبة المتورطين.
التوتر يمتد إلى عين العرب
امتدت تداعيات الأحداث لاحقاً إلى مدينة عين العرب، المعروفة أيضاً باسم كوباني، إذ شهدت احتجاجات واضطرابات طالت عدداً من المقار الحكومية.
ودفعت التطورات قيادة الأمن الداخلي في محافظة حلب إلى فرض حظر تجوال مؤقت وتعزيز الانتشار الأمني في المدينة، وسط تقارير عن تعرض مبانٍ حكومية للاعتداء وإنزال اللوحات التعريفية والعلم السوري من بعض المواقع.
وفي فجر الثلاثاء، أعلنت قيادة الأمن الداخلي رفع حظر التجوال بعد انتهاء العمليات الأمنية وعودة الهدوء إلى المدينة.
وبحسب المعلومات الرسمية، أسفرت الأحداث عن إصابة 19 عنصراً من قوات الأمن وتوقيف 7 أشخاص على خلفية الاضطرابات.
اختبار جديد لتفاهمات دمشق و«قسد»
تأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة من العلاقة بين الحكومة السورية و«قسد»، بالتزامن مع استمرار تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني 2026، الذي وضع إطاراً لوقف إطلاق النار ودمج القوات والمؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وينص الاتفاق على دخول قوات تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي، وبدء دمج القوى الأمنية المحلية ضمن مؤسسات الدولة، إلى جانب تسلم دمشق المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، بالتوازي مع مسار تدريجي للدمج العسكري والإداري.
وبذلك، أصبح وجود مقار الأمن الداخلي ورفع العلم السوري في المدينتين جزءاً من الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة، وليس مجرد مسألة ميدانية منفصلة.
وشهد تنفيذ الاتفاق خلال الأشهر الماضية تقدماً في عدد من الملفات، من بينها دخول وحدات من الأمن الداخلي إلى الحسكة والقامشلي، والإفراج عن دفعات من الموقوفين، وبدء دمج بعض المؤسسات، بينما بقيت ملفات أخرى موضع خلاف وتأخير، خصوصاً ما يتعلق بتسليم بعض المؤسسات والصلاحيات الإدارية والقضائية.
وقبل اندلاع الأحداث الأخيرة، التقى الرئيس السوري قائد «قسد» لبحث استكمال تنفيذ الاتفاق ومتابعة عملية دمج القوات والمؤسسات، ما يجعل التطورات في رأس العين والحسكة والقامشلي وعين العرب اختباراً جديداً لقدرة الطرفين على احتواء الحوادث المحلية ومنع تحولها إلى أزمة أوسع.
عودة المهجرين.. ملف شديد الحساسية
تعد عودة المهجرين من أكثر الملفات حساسية في شمال شرقي سوريا، خصوصاً في الحالات التي ظلت فيها منازلهم مأهولة خلال سنوات النزوح أو تغير شاغلوها.
وتثير هذه العودة قضايا متداخلة تتعلق بالملكية والسكن والتعويض واستعادة الحقوق، ما يجعل أي خلاف محلي قابلاً للتحول إلى أزمة اجتماعية وأمنية أوسع.
وتكشف أحداث رأس العين أن ملف إعادة المهجرين لا يرتبط فقط بعودة السكان إلى مناطقهم، بل يحتاج أيضاً إلى آليات واضحة لمعالجة قضايا الملكية والسكن وضمان حقوق جميع الأطراف.
وفي ظل استمرار إعادة ترتيب المؤسسات الأمنية والإدارية في شمال شرقي سوريا، يبقى احتواء هذه الملفات وتجنب انتقالها إلى الشارع عاملاً أساسياً في الحفاظ على التفاهمات القائمة بين دمشق و«قسد» ومنع تجدد التوتر في المنطقة.




